عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
30
اللباب في علوم الكتاب
قال أبو حيّان « 1 » : وشرحه هذا على التحقيق متضادّ ؛ لأنه شرح « قد نرى » ب « ربّما نرى » ، و « ربّ » على مذهب المحققين إنما تكون لتقليل الشّيء في نفسه ، أو لتقليل نظيره . ثمّ قال : « ومعناه كثرة الرّؤية » فهو مضادّ لمدلول « ربّ » على مذهب الجمهور . ثم هذا الذي ادّعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللفظ ، لأنه لم توضع للكثرة « قد » مع المضارع ، سواء أريد به المضي أم لا ، وإنّما فهمت الكثرة من متعلّق الرؤية ، وهو التقلب . قوله : « في السّماء » في متعلّق الجار ثلاثة أقوال : أحدها : أنه المصدر ، وهو « تقلّب » ، وفي « في » حينئذ وجهان : أحدهما : أنها على بابها من الظرفية ، وهو الواضح . والثّاني : أنها بمعنى : « إلى » أي : إلى السّماء ولا حاجة لذلك ، فإنّ هذا المصدر قد ثبت تعديه ب « في » ، قال تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [ آل عمران : 196 ] . والثاني من الأقوال : أنه « نرى » ، وحينئذ تكون « في » بمعنى « من » أي : قد نرى من السّماء ، وذكر السماء وإن كان تعالى لا يتحيّز في جهة على سبيل التشريف . والثالث : أنه محل نصب على الحال من « وجهك » ذكره أبو البقاء ، فيتعلّق حينئذ بمحذوف ، والمصدر هنا مضاف إلى فاعله ، ولا يجوز أن يكون مضافا إلى منصوبه ؛ لأنه مصدر ذلك التقليب ، ولا حاجة إلى حذف ، ومن قوله : « وجهك » وهو بصر وجهك ؛ لأن ذلك لا يكاد يستعمل ، بل ذكر الوجه ؛ لأنه أشرف الأعضاء ، وهو الذي يقلبه السّائل في حاجته ، وقيل : كنى بالوجه عن البصر ؛ لأنه محلّه . قوله : « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً » « الفاء » هنا للتّسبّب وهو واضح ، وهذا جواب قسم محذوف ، أي : فو اللّه لنولّينّك ، و « نولّي » يتعدّى لاثنين : الأول الكاف ، والثّاني « قبلة » ، و « ترضاها » الجملة في محلّ نصب صفة ل « قبلة » . قال أبو حيّان « 2 » : وهذا ؛ يعني : « فلنولّينك » يدلّ على أن الجملة السابقة محذوفة تقديره : قد نرى تقلّب وجهك في السّماء طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها .
--> - الداني : ص 259 ، شرح المفصل : 8 / 147 ، الكتاب : 4 / 224 ، لسان العرب ( قدد ) ، مغني اللبيب : ص 174 ، تذكرة النحاة : ص 76 ، رصف المباني : ص 393 ، شرح شواهد الإيضاح : ص 220 ، المقتضب : 1 / 43 ، همع الهوامع : 2 / 73 ، البحر : 1 / 602 ، الدر المصون : 1 / 397 . ( 1 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 602 . ( 2 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 603 .